علي الهجويري

42

كشف المحجوب

بها اللّه ، وليس للإنسان حق في الاتصاف بها ، بينما الفقر صفة يوصف بها الإنسان ، ولا يوصف بها اللّه وقد يوصف الإنسان مجازا بالغنى ، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك . وهناك برهان آخر يوضح هذه النقطة ، وهو أن الغنى الإنسانى صفة ترجع للأسباب ، أما الغنى الإلهى فلا يرجع لأي سبب لأن اللّه هو مسبب الأسباب . ولهذا فلا يوجد اشتراك بالنسبة لهذه الصفة وليس من المسموح أن تشبه شيئا باللّه لا في حقيقته ولا في صفته ولا في اسمه . فغنى اللّه في عدم حاجته إلى الغير ، وفي قدرته أن يفعل ما يريد ، فلا راد لقضائه ، ولا مانع لقدرته ، فهو قادر على الضدين . وهكذا كان دائما ، وهكذا سيكون أبدا . أما غنى الإنسان فهو وسيلة من وسائل العيش ، أو من وسائل جلب السرور ، أو قد يكون سبيلا لعدم الوقوع في المعصية ، أو التمتع بالمشاهدة ، وجميعها عارية عرضة للتغيير ، ومادة للطلب والتحسر ، وموضح للعجز . إذن فهذا الاسم مجاز للخلق ، وذلك لقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ « 1 » وقال أيضا وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ « 2 » . وعلاوة على ذلك فإن بعض العوام يفضلون الغنى على الفقير ، قائلين : إن اللّه يتفضل برحمته على الغنى في الدنيا والآخرة ، وأنه تعالى قد منحه مزايا الغنى في هذه الدار ، فان معنى الغنى لديهم هو وفرة العرض الدنيوي ، والمتاع واتباع الشهوات . وحجتهم أن اللّه قد أمرنا أن نشكره لنعمائه ، وأن نصبر على الفقر . أي أن نصبر في الضراء ، ونشكر في السراء . ولهذا فان السراء هي بالضرورة خير من الضراء . وعلى هذا أجيب قائلا : أنه عندما أمرنا تعالى أن نشكر في السراء ، جعل الشكر وسيلة لزيادة نعمائه ، ولكن

--> ( 1 ) سورة فاطر : آية 15 . ( 2 ) سورة محمد : آية 35 .